سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

275

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

على غيرهم ويبالغون في ترتيب الجيوش وتدبير سوقها في ميادين القتال ويصرفون عقولهم في أحكام نظامها - حتى وصلوا غاية - صار الفن العسكري من أوسع الفنون وأصعبها ، على أن أصول دينهم صارفة لعقولهم عن العناية حتى بحفظ أملاكهم فضلا عن الالتفات إلى طلب غيرها وقتل الأمم لأخذها من أيديهم ! والديانة الإسلامية وضع أساسها على طلب الغلب والشوكة والافتتاح والعزة ورفض كل قانون يخالف شريعتها ونبذ كل سلطة لا يكون القائم بها « صحاب الولاية » على تنفيذ أحكامها فالناظر في أصول هذه الديانة ومن يقرأ سورة من كتابها المنزل يحكم حكما لا ريب فيه بأن المعتقدين بها لابد أن يكونوا أول قوّة حربية في العالم وأن يسبقوا جميع الملل إلى اختراع الآلات الحربية وإتقان العلوم العسكرية والتبحر فيها وما يلزمها من الفنون الطبيعة والكيمياء وجر الأثقال والهندسة وغيرها ومن تأمل آية : « وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة » [ الأنفال : 60 ] أيقن ان من صغ بهذا الدين فقد صبغ بحب الغلبة وطلبها واتخاذ كل ما يسهل له الوصول إليها وبذل الجهد والسعي بقدر الطاقة البشرية في سبيلها ، فضلًا عن الاعتصام بالمنعة والامتناع من تغلب غيره عليه ، من لاحظ أن الشرع الإسلامي حرّم المراهنة إلا في « المسابقة والرماية » ، انكشف له مقدار رغبة الشارع في معرفة الفنون العسكرية والتمرن عليها . ولكن مع كل ذلك تأخذه الدهشة من أحوال المتمسكين بهذا الدين لهذه الأوقات إذ يراهم يتهاونون بالقوة ، ويتساهلون في طلب لوازمها ، وليست لهم عناية بالبراعة في فنون القتال ولا في اختراع الآلات حتى فاقتهم الأمم فيما كان من واجباتهم عمله والتخلق به واضطروا لتقليدها فيما يحتاجون إليه من تلك الفنون والآلات وسقط كثير منهم تحت سلطة مخالفيهم واستكانوا لها ورضخوا لأحكامها ومن وازن بين الديانتين حار فكره كيف اخترع مدفع كروب والمتراليوز وغيرهما بأيدي أبناء الديانة الأولى قبل الثانية ! وكيف وجدت بندقية مارتين في ديار الأولين قبل وجودها عند الآخرين وكيف أحكمت الحصون ودرعت البواخر ومخرت كالرواسي وأخذت مغالق البحار بسواعد أهل السلامة والسلم ، دون أهل الغلبة والحرب .